نادي

مسرحية على خطى هاملت

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

مسرحية على خطى هاملت

مُساهمة من طرف kamel elbasha في السبت فبراير 21, 2009 10:16 am

هاملت- ساعة جنون
بقلم: جمال القواسمي

حظيتُ بمشاهدة مسرحية ’هاملت‘ في المسرح الوطني-الحكواتي في القدس للمخرج كامل الباشا وتمثيل مجموعة رائعة من الممثلين. وقد حسدتُ وليم شكسبير لأنَّ العالم لم يتوقف عن تكريمه والاهتمام به وبمسرحياته حتى بعد وفاته بأربعمائة عام إلا بضعة سنوات. وقد سررتُ كثيراً لأنَّ المسرحية تمَّ إهداؤها إلى الفنان المسرحي المبدع المرحوم يعقوب إسماعيل، الذي تركنا فجأةً، وهو صاحب علامات جميلة في المسرح الفلسطيني. فكانت هذه المسرحية رسالة للجميع، على الأقل في وجهة نظري، بأن ثمة دماء جديدة وتيار فني جميل يسير على الدرب ذاته، وأن المسرح ما تزال أقدام الفن الجميل تنقر عليه إيقاعاتها.

أما مسرحية ’هاملت‘ فهي تحكي قصة الأمير هاملت الذي يرى شبح أبيه الملك المتوفى يطلب منه الانتقام ممن قتله بالسم، ويقول له إن الحية التي لدغته تضع تاجاً على رأسها، وهو يعني الملك عمه والملكة أمه. وتصيب الأمير هاملت صدمة نفسية تطيح به فلا يستطيع أن يبت قراره بالانتقام الفوري، ويصيبه التردد، ويتشاجر مع الجميع، حتى مع اوفيليا حبيبته، ويتركها طالباً منها أن تترهبن، ظانَّاً أن كل النساء مثل أمه وقائلاً : "أيها الضعف اسمك المرأة."
فتطلب منه أمه الملكة أن يكفَّ البحث عن أبيه في التراب ويتوقف عن الحزن فهو لا يليق بالرجال، فيطلب هاملت من أمه ألا تذهب إلى فراش عمه في الليل. ثم يقتل بولونيوس في القصر دون قصد، وهو ابو الفتاة اوفيليا الجميلة. ثم يطالب لارتيس، ابن بولونيوس، بدم قاتل أبيه، فيعده الملك بدم القاتل. ويحاول الملك أن يقتل هاملت بالسم، فيضع السم في كأس الشراب ويناوله لهاملت، فيرفض أن يشربه، فتأخذه أمه الملكة وتبلعه. يدرك الملك متأخراً ما جرى، ويصيح بزوجته جديدة العهد، "جرترود لا تشربي،" ولكن عبثاً، فقد شربته وماتت، ويتشاجر هاملت ولارتيس فيقتل أحدهما الآخر.

منذ الوهلة الأولى تفرض المسرحية على المتفرج روحها وإيقاعها وطاقتها وجنونها. تر ى معظم الممثلين يرتدون زياً أسوداً يشبه زيِّ التخرُّج الجامعي، مع غطاء للرأس. أحسستُ أن المسرح قاعة جامعية وهذه سخرية موفَّقة خلقت الجو العام للمسرحية لأن عالم هاملت عالم يضجُّ بالجنون، عكس الجامعات تماماً. ولذلك كان استخدام البرنس كزي موفقاً جداً.

ومنذ الوهلة الأولى أيضاً ترى مسرحاً خالياً من الديكور إلا من تمثال الملك الشبح، وهو يمثل عالم الأموات، وعجينة إنسانية في حالة صيرورة، تتشكل وتتغير، تتألم وتعاني، تبكي وتضحك، تصرخ وتهمس، وهي تمثل عالم الأحياء. كلا المتناقضان – الشبح والعجينة البشرية- هما المسرح وهما الديكور. والمقصود هنا بالعجينة الإنسانية هو أن المخرج استخدم حركة الممثلين على المسرح كعجينة تتشكل منها مشاهد المسرحية كلها تقريباً، وهذا أسلوب جميل ومبرَّر فنياً، وكانت الحركة تعكس الجنون الذي يعتري كل الشخصيات في المسرحية، ما عدا الحركة الرتيبة البطيئة الملولة لتمثال الشبح. هذه العجينة ذكرتني بمشهد تشكُّل الوجوه ومحاولة التحرُّر العبثي من الجدار في الفيلم الرائع "الجدار The Wall" للفرقة الموسيقية "بينك فلويدز،" وذكرني خلو المسرح من الديكور بكلام شكسبير بأن الحياة ليس إلا مسرح نصعد لكي نلقي عليه دورنا وبضعة سطور ونمضي.

نجحت المسرحية بإتقان في رسم التضاد في مسرحية هاملت، ما بين الأحياء والأموات، ما بين الجنسين كذكور وإناث، ما بين القتلة والأنقياء، الصمت والسكون، الجنون والعقل، الرذيلة والفضيلة، البياض والسواد، الضوء والعتمة، الكبار بالعمر والصغار.

لقد اعتمد الباشا تفسيراً جديداً وجميلاً للمسرحية فقد وزَّع دور شخصية هاملت على ثمانية ممثلين قاموا بدوره، وشخصية أوفيليا على ثماني ممثلات يقمن بدورها. وهكذا جعل المخرج الممثلين، شباناً وشابات، يتبادلون أجمل وأروع حوارات بين عاشقين، وذلك ما نحتاجه دائماً في مجتمعنا وهو الحوار والنقاش بين الجنسين، خاصة في ربيع العمر. ولذلك يجب على كل أب وأم أن يرافقان أولادهم المراهقين لمشاهدة هذه المسرحية لأن فيها حوارات رائعة عن التناقض والحرب والأختلاف بالتفكير والاهتمامات والحب بين الجنسين. وبرزت مشاهد رائعة بهذا الموضوع، خاصة مشهد العفاف والجمال، ومشهد إرجاع الهدايا، ومشهد "شرك لصيد العصافير"، ومشهد "هل للنجوم نار في العلى". وهي تعرض كل ذلك على نحو جميل وراقي. نص شكسبيري رائع ومشاهد باشاوية رائعة حقاً أتحفتني، بل وجعلتني أتمنى لو ابنتي مراهقة لأحضر المسرحية معها.

إن رقص العجينة الإنسانية على المسرح يدين بالفضل للفنانة رشا جهشان، التي كانت لوحاتها الراقصة سلسة وأنيقة ومعبِّرة عن شخوص المسرحية وأحداثها، وأذكر منها رقصة "أكون أو لا أكون،" وهي الزحف على الأرض، ورقصة الخاتمة، ورقصة الوسيط التي تستعمل فيها "البريك دانس" المعاصر.

هذا العمل المسرحي يدين أولاً وأخيراً لممثليه ومخرجه وفنييه. تبقى في ذاكرتي كثير من مشاهدها الرائعة. تألق حسام أبو عيشة في مشاهد كثيرة، وكان يشكل مع ريم تلحمي أحد ثلاث محاور للمسرحية، وكان دوراهما مقنعين وكريهين لدرجة أنني كرهتهما في المسرحية، أما الممثلون الشباب شابات وشبان فقد تميَّزوا وأضاءوا المسرح بأنفاسهم الحرى وفنهم الأصيل، وبرز منهم الفنانون فراس فراح، وكاتيا بركات، وإيفان ازازيان، سجى زحيكة، علاء أبو غربية، عطا ناصر نضال الجعبة، محمد الباشا، بهاء الصوص، كريم غوشة، شيرين سموم، شذا الزغير، رشا الزغير، دانيا زيادة، مجد طهبوب، ومرام العلي . وهؤلاء المحور الثاني. أما المحور الثالث فقد قام به الفنان الرائع والمبدع عبد السلام عبده، الذي أضطر طوال العرض أن يكون التمثال-الشبح الذي عليه أن يرتدي زياً لا يُظهر أي جزء من جسمه، وكان معبِّراً جداً بنبرة صوته وحركة رأسه البطيئة وقناع وجهه وحركة جسمه العملاقي الرتيبة. إن جهوده الجسدية غير المرئية تستحق منا كل تقدير وتحية.

من جهة أخرى، وفقت المسرحية بالموسيقى رغم بعض الارتباك. فقد شارك الممثلون بإصدار بعض موسيقى المسرحية بالدق على المسرح والتصفيق والهمهمة وإطلاق الزغاريد والنقر بالأقدام وحتى غناء احدهم أغنية معاصرة "سافر حبيبي وراح"، وتلاوة القرآن وتسابيح نبوية، وحتى تهليلة "حنيني يمَّا حنيني" التي غنتها الممثلة الرائعة ريم تلحمي، وكذلك تهليلة باللغة الأرمنية أداها أحد الممثلين.

لو رآى وليم شكسبير المسرحية، فمن المرجح انه سيحب فكرة تشظي الشخصيات والعجينة الإنسانية، لكنه من المؤكد انه سيحسد كامل الباشا على كثير من الأشياء، وأولها تمثيل تسع ممثلات فيها، والشجاعة في تفسيرها، وتطويعه للمسرحية زمنياً خلال ساعة وعشر دقائق، دون أن يفقد المسرحية تماسكها وزخمها ورونقها. وأظنُّ أن شكسبير كان سيسأل كامل الباشا عما فعله بالشعر الحر واللغة وكثير من المراجع الثقافية الغريبة عن الأدب واللغة الإنكليزيين.

ومع ذلك كانت ثمة ارتباكات في المسرحية وددتُ لو لم تحدث. فقد امتلأت المسرحية بمراجع دينية متعددة ومتناقضة: مسيحية، إسلامية وكذلك مراجع متعددة القوميات. لم أفهم دخل المدائح النبوية بهاملت، وكذلك قراءة القرآن مع وجود عبارة "الدفن المسيحي." وطبعاً المقصود بالدفن المسيحي هو عدم دفن المنتحر لأن الإنتحار أمر يرفضه الدين المسيحي. كان أفضل لو التزم الباشا بمرجع واحد لتكون ثمة وحدة وانسجام في العمل.

وكذلك كان ثمة أخطاء نحوية في الإلقاء. ووتمنيتُ أحياناً لو استبدل المخرج بعض الكلمات من ترجمة جبرا ابراهيم جبرا الرائعة لأنها مفردات غير مستعملة وقد تستعصي على المتفرج العادي، مثل السؤدد وغيرها. كان الشبان جميعاً يمثلون هاملت، والشابات يمثلن أوفيليا، ولكني لم افهم لماذا تقوم بعض الشابات بإلقاء أدوار هاملت خاصة حينما يواجه أمه ويتهمها بالزنى ويطلب منها عدم الذهاب إلى فراش عمه. ينفصل شاب وشابة ويمثلان دوري حفاري القبور، لكنهما يحتفظان بالوشاحين، تماماُ مثل البقية؛ على الأقل كان من الأفضل بصرياً لو تمّيَّزا بشيء ما. وفي نهاية المسرحية يقف كلاوديوس وهو يضع السم في الشراب على الجانب الأيمن للمسرح؛ ولأهمية الموقف كان من الأحسن لو وقف في منتصف المسرح ليراه الجمهور بوضوح.

أنَّ مسرحية هاملت هي تراجيديا أوروبية نموذجية، حيث يُقتل فيها الجميع. تنتهي المسرحية بوجود حوالي عشرين جثة على المسرح، بل ويتشكل تيار من الموتى يقوده الشبح. وهذا أحد تقاليد التراجيديا الأوروبية التي تمجد الموت والقتل والدم، وهي بضاعة أوروبية مئة بالمئة.

أخيراً، جعلتني المسرحية أشعر بالقوة والتسامي إذ رأيت عشرين ممثلاً على المسرح، بينهم سبعة عشر ممثلاً وممثلة من الجيل الشاب، إلى جانب العاملين الفنيين من مخرج ومدربين وفني الإضاءة وصوت رمزي الشيخ قاسم. وهذا الحجم الكبير يشير إلى أن المسرح بخير، ولكن علينا أن نحافظ وندعم هذا الفن. وأتساءل متى ستقوم مؤسساتنا الوطنية بدعم الحركة الفنية والمسرحية؟ وإلى متى ستظل هذه الحركة رهينة بفُتات تتصدَّق علينا به دول غربية ومنظمات أجنبية؟ إلى متى سيبقى الأوروبي يمول رسائلنا ومهرجاناتنا الثقافية والفنية؟ متى سنُكرم فنانينا وهم أحياء وعلى أقدامهم يضربون المسرح، لا بعد وفاتهم؟
--- انتهى ---

kamel elbasha

عدد المساهمات : 12
تاريخ التسجيل : 03/12/2008
العمر : 54

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://pachaa.maktoobblog.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى